أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

314

التوحيد

( وظهور صفاته تعالى عليه ) أي على عبده فتظهر حياته تعالى الأزلية الأبدية وتضمحل في العبد حياته الدنيوية ، وتظهر قدرته تعالى الحقيقية وتضمحل قدرة العبد الوهمية ، وتظهر مشيئة اللّه تعالى القهرية وتضمحل مشيئة العبد الوهمية ، ويضمحل علم العبد الظني ويظهر علم الرب الحقيقي إلى غير ذلك من حقائق الأسماء والصفات الإلهية ( بأن يحيي ) ذلك العبد من شاءه حياة حسية أو علمية ( ويميت ) من شاءه موتا حسيا أو معنويا ( بإذنه ) تعالى أي بقدرته سبحانه ومشيئته وإرادته الظاهرة في ذلك العبد بقدرة ذلك العبد الوهمية ومشيئته وإرادته القهرية ، إما بظهور دعاء من العبد على طبق ذلك أو بتوجه قلبي منه على حصول ذلك أو بكلام يتكلم به في معنى ذلك ونحوه . ( ويسمع ) ذلك العبد ( ويبصر من جميع جسده لا ) أن يسمع ( من الأذن و ) يبصر من ( العين فقط ) كما هو مقتضى صفات البشرية التي ذكرناها قريبا ( وكذا يسمع ) ذلك العبد ( المسموعات من بعيد ) أي مسافة بعيدة أو مدة بعيدة كمائة سنة مثلا ماضية أو مستقبلة بحيث إن غيره في العادة بمقتضى البشرية لا يسمع ذلك ( ويبصر ) أيضا ( المبصرات من بعيد ) أي مسافة بعيدة بحيث إن غيره بمقتضى البشرية لا يبصر ذلك ، وعلى هذا القياس في باقي الصفات ، فيشم الرائحة من مسافة في العادة لا يشم ذلك غيره منها ، أو من زمان مضى أو مستقبل بحيث يكون غيره بحسب الطاقة البشرية لا يدرك ذلك ( وهذا معنى فناء الصفات ) البشرية ( في صفات اللّه تعالى وهو ) أي هذه الحال ( ثمرة ) أي نتيجة ( النوافل ) من الأعمال كما ذكرنا التي تقرب بها إلى اللّه تعالى . ( وأما قرب الفرائض فهو فناء العبد ) أي اضمحلاله وزواله ( بالكلية ) ظاهرا وباطنا ( عن شعوره ) أي إدراكه ( بجميع الموجودات ) المحسوسة والمعقولة ( حتى ) فنائه ( عن نفسه أيضا ) فلا يشعر بها ولا يدركها ( بحيث لم يبق في نظره ) الظاهري والباطني ( إلا وجود الحق سبحانه وتعالى ) الوجود المطلق الحقيقي ، ولا نظر له موجود وإنما نظره وباقي ذاته وصفاته وجميع العوالم عنده اعتبارات عدمية كما تقدم ذكره ، فيرجع الوجود الواحد الحق وجودا واحدا حقا وليس معه غيره كما هو عليه من قبل ، وقال عفيف الدين التلمساني قدس اللّه روحه في مطلع قصيدة له بيتا : وجود وحسبي أن أقول وجود * له كرم منه عليه وجود وقلنا نحن كذلك بيتا : وجود وأشياء ما لهن وجود * فتبدوا له منه به وتعود فإن قوله له كرم منه عليه وجود يشعر بأنه أدرك كرما وأدرك جودا وذلك غير الوجود ، وأدرك قائل ذلك وهو نفسه فقال له كرم أي لا لي ، وهذا الذي أدركه كله اعتبارات الوجود وهي الأشياء التي لا وجود لها في قولنا وأشياء ما لهن وجود وهو